سيد قطب
707
في ظلال القرآن
إن المؤمن لا يتمنى البلاء بل يسأل اللّه العافية . ولكنه إذا ندب للجهاد خرج - غير متثاقل - خرج يسأل اللّه إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة . . وكلاهما فضل من اللّه ؛ وكلاهما فوز عظيم . فيقسم له اللّه الشهادة ، فإذا هو راض بما قسم اللّه ؛ أو فرح بمقام الشهادة عند اللّه . ويقسم له اللّه الغنيمة والإياب ، فيشكر اللّه على فضله ، ويفرح بنصر اللّه . لا لمجرد النجاة ! وهذا هو الأفق الذي أراد اللّه أن يرفع المسلمين إليه ؛ وهو يرسم لهم هذه الصورة المنفرة لذلك الفريق « منهم » وهو يكشف لهم عن المندسين في الصف من المعوقين ، ليأخذوا منهم حذرهم ؛ كما يأخذون حذرهم من أعدائهم ! ومن وراء التحذير والاستنهاض للجماعة المسلمة في ذلك الزمان ، يرتسم نموذج إنساني متكرر في بني الإنسان ، في كل زمان ومكان ، في هذه الكلمات المعدودة من كلمات القرآن ! ثم تبقى هذه الحقيقة تتملاها الجماعة المسلمة أبدا . وهي أن الصف قد يوجد فيه أمثال هؤلاء . فلا ييئس من نفسه . ولكن يأخذ حذره ويمضي . ويحاول بالتربية والتوجيه والجهد ، أن يكمل النقص ، ويعالج الضعف ، وينسق الخطى والمشاعر والحركات ! ثم يمضي السياق يحاول أن يرفع ويطلق هؤلاء المبطئين المثقلين بالطين ! وأن يوقظ في حسهم التطلع إلى ما هو خير وأبقى . . الآخرة . . وأن يدفعهم إلى بيع الدنيا وشراء الآخرة . ويعدهم على ذلك فضل اللّه في الحالتين ، وإحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة : « فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ . وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً » . . فليقاتل في سبيل اللّه - فالإسلام لا يعرف قتالا إلا في هذا السبيل . لا يعرف القتال للغنيمة ولا يعرف القتال للسيطرة . ولا يعرف القتال للمجد الشخصي أو القومي ! إنه لا يقاتل للاستيلاء على الأرض ؛ ولا للاستيلاء على السكان . . لا يقاتل ليجد الخامات للصناعات ، والأسواق للمنتجات ؛ أو لرءوس الأموال يستثمرها في المستعمرات وشبه المستعمرات ! إنه لا يقاتل لمجد شخص . ولا لمجد بيت . ولا لمجد طبقة . ولا لمجد دولة ، ولا لمجد أمة ، ولا لمجد جنس . إنما يقاتل في سبيل اللّه . لإعلاء كلمة اللّه في الأرض . ولتمكين منهجه من تصريف الحياة . ولتمتيع البشرية بخيرات هذا المنهج ، وعدله المطلق « بين الناس » مع ترك كل فرد حرا في اختيار العقيدة التي يقتنع بها . . في ظل هذا المنهج الرباني الإنساني العالمي العام . . وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل اللّه ، بقصد إعلاء كلمة اللّه ، وتمكين منهجه في الحياة . ثم يقتل . . يكون شهيدا . وينال مقام الشهداء عند اللّه . . وحين يخرج لأي هدف آخر - غير هذا الهدف - لا يسمى « شهيدا » ولا ينتظر أجره عند اللّه ، بل عند صاحب الهدف الآخر الذي خرج له . . والذين يصفونه حينئذ بأنه « شهيد » يفترون على اللّه الكذب ؛ ويزكون أنفسهم أو غيرهم بغير ما يزكي به اللّه الناس . افتراء على اللّه ! فليقاتل في سبيل اللّه - بهذا التحديد . . من يريدون أن يبيعوا الدنيا ليشتروا بها الآخرة . ولهم - حينئذ - فضل من اللّه عظيم ؛ في كلتا الحالتين : سواء من يقتل في سبيل اللّه ؛ ومن يغلب في سبيل اللّه أيضا : « وَمَنْ يُقاتِلْ - فِي سَبِيلِ اللَّهِ - فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً » . .